كيف نتغلب على آثار الحجر الصحي السلبية؟

كيف يمكننا التغلب على آثار الحجر الصحي السلبية؟

لقد تسبَّب انتشار وباء كوفيد-19 (بالإنجليزية: COVID-19) في وضع العديد من الدّول لسكانهم تحت الحجر الصحيالشامل، وذلك كوسيلة لتقليل احتمالات تعرُّضهم لانتقال العدوى. وبما أن طرق انتقال المرض عديدة ومتنوِّعة، فقد وُجِدَ أن الحجر الصحِّيّ والتّباعد الاجتماعيّ هما أفضل الطرق الفعليَّة لتفادي الإصابة بالمرض.

يُعرِّف مركز السيطرة على الأمراض (بالإنجليزيَّة: Centers of Disease Control and Prevention)، (ويُختصر: CDC) الحجر الصحي بأنه فصل وتقييد حركة من قد يكونوا تعرّضوا لمرضٍ مُعدٍ للتّأكّد ممَّا إذا كانوا على ما يرام، وبالتالي تقليل خطر إصابتهم للآخرين.

قد يكون الحجر الصحي تجربةً غيرَ سارَّةٍ للعديد منّا وقد يؤدّي إلى ترك انطباعات نفسيّة سلبيّة.

توصي منظمة الصِّحَّة العالميَّة -في أوقات الطوارئ- بعمل مراجعات ودراسات سريعة كوسيلة لجمع وإثبات الأدلة؛ الغرض من هذه المراجعات هو مساعدة صانعي القرار لتوفير الإرشادات اللازمة للعوام عن التأثيرات الجانبيّة للحَجر الصحِّيّ وكيفية تلافيها. هذه المراجعة السريعة التي سنعرضها تمّت بواسطة العديد من الباحثين من قسم الطِّب النفسيّ بجامعة الملك بلندن (بالإنجليزيَّة: King’s College). وقد مُوِّل البحث من قبل وحدة أبحاث الحماية الصحيَّة بالمعهد الوطنيّ للبحوث الصحّيّة (بالإنجليزيَّة: National Institute for Health Research)، (وتُختصر: NIHR) للتأهُّب والاستجابة لحالات الطوارئ في الجامعة، بالشراكة مع (Public Health England)، وبالتعاون مع جامعة إيست أنجليا وجامعة نيوكاسل. ونُشر في مجلة (The Lancet) العلميَّة وأصبح متاحًا عبر الإنترنت في 26 فبراير 2020.

وقد استُخدِمت 3 قواعد إلكترونيَّة للبيانات، و24 ورقةً بحثيةً خلال هذه المراجعة العلميَّة. أُجريت هذه الدراسات في 10 دول وشَملت من عُزِلوا بسبب السارس، والإيبولا، ووباء إنفلونزا الخنازير لعامي 2009 و2010، ومتلازمة الجهاز التّنفسيّ في الشرق الأوسط، وإنفلونزا الخيول.
ومن بين قواعد البيانات المختلفة، اختُزِلَ 52 مقالًا مكتوبًا بعد استبعاد التّكرارات والمقالات التي لم تُطابق الشروط.، ومن بين 52 مقالًا، أُقصي 28 مقالًا، بسبب طبيعة ومدّة الحجر الصحي المفروض المذكورين بهذه الدراسات. أخيرًا، تم عمل هذه المراجعة السريعة على 24 مقالًا منهم.

وقُسِّمت النتائج إلى مجموعتين: ضغوطات نتجت أثناء الحجر الصحي، وضغوطات نتجت بعد انتهاء الحجر الصحي.

الضغوطات التي حدثت أثناء فرض الحجر الصحي

  • طول مدّة الحجر الصحي: ارتبطت فترات الحجر الصحي الأطول بصحّة نفسيّة أفقر تحديدًا أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة وسلوكيات التجنُّب والغضب.
  • الخوف من العدوى: وُجد أن المشاركين في الدراسة لديهم مخاوف وضغوط نفسيَّة كبيرة خوفًا من الإصابة أو خوفًا من نقلهم العدوى لغيرهم، وخاصَّة أفراد الأسرة.
  • الإحباط والملل: الحبس، وفقدان الروتين اليوميّ، وقلة الاتّصال بالآخرين اجتماعيًّا وجسديًّا كانت أسباب واضحة للشعور بالملل والإحباط والإحساس بالعزلة عن العالم، والذي كان شعورًا مرهقًا لمن شاركوا بالدراسة.
  • نقص الإمدادات: كان نقص الإمدادات الأساسيَّة (مثل الطعام، أو الماء، أو الملابس، أو الإقامة) أثناء الحجر الصحي مصدرًا للإحباط واستمرَّ في ارتباطه باضطرابات القلق والغضب بعد 4-6 أشهر من انتهاء الحجر.
  • معلومات غير كافية: استشهد العديد من المشاركين بضعف وعدم كفاية المعلومات الصادرة من سلطات الصحّة العامَّة واعتبروهم مصدرًا للضغط، حيث أفادوا بعدم كفاية الإرشادات العامة حول الإجراءات التي يجب اتخاذها والتي أدَّت إلى الارتباك حول الغرض من الحجر الصحي.

الضغوطات التي حدثت بعد الحجر الصحي

  • الحالة المادّية: مع عدم قدرة الأشخاص على العمل واضطرارهم إلى مقاطعة أنشطتهم المهنيَّة دون تخطيط مُسبق، تسبّبت الخسارة الماليّة كنتيجة للحَجر الصحِّيّ في ضائقة اجتماعيَّة واقتصاديَّة خطيرة، ووُجد أنها عامل خطر لحدوث أعراض الاضطرابات النفسيَّة والغضب والقلق بعد عدة أشهر من الحجر الصحي. أظهر المشاركون ذوو الدخل السنويّ المحدود مستويات أعلى بكثير من إجهاد ما بعد الصدمة وأعراض الاكتئاب.
  • الشعور بالعار: كانت وصمة العار من الآخرين موضوعًا رئيسًا في بعض البلدان، وغالبًا ما تستمر لبعض الوقت بعد الحجر الصحي، حتى بعد احتواء تَفَشِّي المرض. وقد لا تنطبق هذه الملاحظة على جائحة (كوفيد-19) في أغلب البلدان التي انتشر فيها المرض.

تُرجِّح نتائج المراجعة أنه في حين أن الحجر الصحي هو إجراء وقائيّ ضروريّ، فإنه غالبًا ما يرتبط بالعديد من التّأثيرات النفسيَّة السلبيَّة. وعلى الرغم من أن هذه الآثار السلبيَّة ليست مفاجئة، تشير الدلائل العلميَّة إلى أنه يمكن اكتشاف العديد منها في المشاركين لشهور أو حتى سنوات بعد الحجر الصحي. وتشير جميع ضغوطات الحجر الصحي وما بعد الحجر الصحي إلى وجود حاجة ماسَّة إلى وضع تدابير تخفيف فعَّالة لآثار الحجر الصحي.

استجابةً لهذه الضغوطات، كان لدى المراجعة المنشورة أيضًا بعض الاقتراحات للتخفيف من وطأة الحجر الصحي:

  • اجعلها قصيرةً قدر الإمكان: إن قصر مدّة الحجر الصحي على ما هو معقول علميًّا بالنظر إلى المدّة المعروفة لفترات حضانة المرض، وعدم اعتماد نهج احترازي مُفرط في ذلك، سيقلِّل بشكل كبير من التأثير سلبيًّا على الناس.
  • قدِِّم للناس أكبر قدرًا ممكنًا من المعلومات: يجب التأكُّد من أن الخاضعين للحَجر الصحِّيّ لديهم فهمٌ جيدٌ للمرض المَعنِيّ، وأسباب الحجر الصحي.
  • توفير الإمدادات الكافية: يحتاج المسؤولون أيضًا إلى التأكد من أن الأسر المعزولة لديها ما يكفي من الإمدادات لتلبية احتياجاتها الأساسيَّة، والأهم من ذلك، يجب توفيرها للمحتاجين في أسرع وقت ممكن.
  • تقليل الملل وتحسين وسائل الاتّصال: الملل والعزلة يُسببان الكرب؛ لذا، يجب إخطار الأشخاص المعزولين بشأن ما يمكنهم فعله لدَرء الملل وتزويدهم بنصائح عمليَّة حول أساليب التكيُّف والتعامل مع الضغط والإجهاد. والقدرة على التّواصل مع العائلة والأصدقاء ضروريَّة أيضًا.

فيما يتعلق بتواصل المسؤولين مع الخاضعين للحَجر، تؤكد المراجعة في بيانها على ما يلي:

«من المهم أن يحافظ مسؤولو الصحَّة العامَّة على خطوط اتّصال واضحة مع الأشخاص المعزولين؛ لتوعيتهم بشأن ما يجب فعله إذا شعروا بأيِّ أعراض. من شأن خط الهاتف أو الخدمة عبر الإنترنت التي أُعدت خصيصًا لأولئك الذين في الحجر الصحي والتي تُقدَّم من قبل العاملين في مجال الرعاية الصحِّيّة الذين يمكنهم تقديم تعليمات حول ما يجب فعله في حالة ظهور أعراض المرض، أن يساعدوا في طمأنة الناس بأنهم سيحصلون على الرعاية المطلوبة إذا مرضوا. ستُظهر هذه الخدمة لمن عُزلوا أنهم لم يُنسوا، وأن احتياجاتهم الصحِّيّة لا تقل أهمية عن احتياجات بقيَّة الجمهور»

وباختصار، تهدف هذه الضغوطات وأساليب تخفيفها إلى تزويد واضعي السياسات بالأدوات المناسبة اللازمة لإيصال المعلومات إلى الجمهور. هذه المراجعة ضروريَّة أيضًا لأنها تدمج المعلومات المكتسبة من الأوبئة السابقة لتوجيه المواقف المستقبليَّة ذات التأثيرات المشابهة ومساعدتها في صياغة خطط الاستجابة للكوارث. في حين أن التّأثيرات الجسديَّة عادة ما تكون العامل الوحيد المُعتبَر في حالات الطوارئ، فإن هذه المراجعة تظهر وجود ترابط قوي بين الصّحَّة العقليَّة والعوامل الجسديَّة أيضًا.

 

شارك المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي