القمر بقعة مثالية لمرصد موجات الجاذبية

القمر بقعة مثالية لمرصد موجات الجاذبية

ستقوم العديد من وكالات الفضاء خلال السنوات القادمة بإرسال بعثات فضائية تضم رواد فضاء إلى القطب الجنوبي للقمر؛ لإجراء العديد من البحوث الحيوية، واستكشاف الموارد في هذه المنطقة وذلك كجزء من التحضيرات لإنشاء قاعدة على سطح القمر، هذه البعثات الفضائية ستقوم أيضًا بدراسة إمكانية إجراء بحوث علمية في هذا الجزء البعيد من القمر.

ولكن مؤخرًا، قام اثنان من العلماء البارزين ( Dr. Karan Jani  وProf. Abraham Loeb) بنشر ورقة بحثية تناقش إمكانية إجراء نوع آخر من البحوث في مجال علم الفلك في هذا الجزء من القمر، وهو موجات الجاذبية، وذلك كجزء من مشروع وكالة ناسا (Artemis)، ويوضحا فيها أن المرصد القمري لموجات الجاذبية لعلوم الكونيات (GLOC) سوف يكون مثالي لاستكشاف موجات الجاذبية للترددات الأغنى والأكثر تحديا.

تنبأت النظرية النسبية العامة لاينشتاين بوجود موجات الجاذبية، وهي في الأساس انحناءات في نسيج الزمكان تكونت نتيجة إندماج أجسام ضخمة مثل الثقوب السوداء أو النجوم النيترونية. وكان أول تأكيد لوجود موجات الجاذبية في 2016، حيث أعلن العلماء في مرصد موجات الجاذبية باستخدام الليزر ومقياس التداخل (LIGO)، عن موجات جاذبية قادمة من (Markarian 231) وهو نظام ثنائي من الثقوب السوداء يبعد أكثر من 1.3 مليار سنة ضوئية.

ومنذ ذلك الوقت زاد التعاون بين أماكن الرصد حول العالم، والتقدم التكنولوجي ومنهجيات البحث، وهكذا استطاع رواد الفضاء تحديد 56 حدث لوجود موجات الجاذبية، كما استطاع علماء الفيزياء الفلكية إجراء العديد من الاختبارات المفيدة في ضوء نظرية النسبية العامة. وتحدث prof. Abraham Loeb قائلًا:

لقد حان الوقت لمعرفة ما تقدمه برامج العلوم لاستكشاف سطح القمر. 

والأكثر من هذا، وجد علماء الفلك العديد من المفارقات حيث نجحت موجات الجاذبية فيما فشلت فيه الطرق التقليدية في علوم الفلك، واستكمل Prof. Loeb حديثه لموقع Universe Today عبر email:

اعتمد علم الفلك التقليدي على رصد الضوء عن طريق التلسكوبات، فبعض البيئات مثل انوية المجرات أو مناطق تشكُّل النجوم محجوبة خلف سحب معتمة من الغاز والغبار النجمي. والأخرى مثل الثقوب السوداء المحاطة بالفراغ لا تطلق أي إشعاعات ضوئية، تقدم موجات الجاذبية لمحة عن هذه البيئات التي لم يكن بالإمكان استكشافها من قبل، ويعتبر اندماج الثقوب السوداء من أفضل المصادر التي توفر اختبار جديد لنظرية الجاذبية ل (البرت اينشتاين) وذلك لاعتبارها أكثر الأنظمة تطرفًا التي يمكن للنظرية التنبؤ بها من بين جميع أنظمة الزمكان.

 

المبدأ هنا شبيه بالمبدأ المتعلق بتلسكوبات الفضاء، أو بما يحاول علماء الفلك تحقيقه بمساعدة علم الفلك الراديوي القمري، مثل العمل خارج إطار التشويش. العمل خارج نطاق الغلاف الجوي بالنسبة للتلسكوبات الفضائية مثل (Hubble) و (TESS) و (Gaia) واخرى، يعني القدرة على تجميع الضوء الغير معرض لانحراف الطول الموجي دون الاحتياج لأي من أدوات التكيف البصري.

يبدو الأمر مشابه بالنسبة لمقاييس التداخل وموجات الجاذبية، حيث يعتمد مقياس التداخل على اثنين او اكثر من مصادر الضوء المتداخلة من أجل إنشاء نمط للتداخل، ثم يتم تحليلها بواسطة كاشف ضوئي لملاحظة أي تغيرات مفاجئة، وعندما يعترض مقياس التداخل موجات الجاذبية؛ ستسبب التموجات حدوث تشوهات ملحوظة والتي يستخدمها العلماء لتحديد طبيعة المصدر والمسافة الفاصلة.

ولسوء الحظ، مقياس التداخل يجب أن يكون شديد الدقة، وذلك لأن موجات الجاذبية شديدة الصعوبة في تعقبها، مما يجعلها معرضة للتداخل، ولهذا يجب ان تكون أذرع الكاشف موضوعة في الفراغ وذلك لاستبعاد احتمالية التداخل لجزيئات الهواء واحتمالات حدوث الزلازل، والتي يمكنها التسبب في الحصول على نتائج مزيفة.

ولكن على القمر فهو غير نشط جيولوجيًا ولا يمتلك غلاف جوي فالتداخل لن يكون موجودًا بطبيعة الحال، كما يوضح ( Prof. Leob):

للقمر نشاط زلزالي ضئيل جدًا، وذلك لانعدام نشاطه الجيولوجي، مما يسمح له بتحقيق نطاق من الترددات لموجات الجاذبية اقل بمقدار رتبتين عن الترددات الممكن الوصول لها على الأرض، الأمر مماثل لبناء تلسكوب راديوي بدلًا من تلسكوب بصري، لا يمتلك القمر أيضًا غلاف جوي؛ ولذلك يمتلك سطحه مستويات اقل بكثير من الفراغ، وذلك مقارنة بأنابيب الفراغ الخاصة ب (LIGO) و الأدوات الموجودة على سطح الأرض.

تبدأ الأمور في اتخاذ منحنى مثير للاهتمام عندما نعرف ما يمكن للمرصد القمري لعلم الكونيات وموجات الجاذبية (GLOC) الكشف عنه، على سطح الأرض يكون العلماء مقيدين على سطح الأرض في قدرتهم على رصد أنواع الاندماج، ولكن على القمر يمكن للمرصد الوصول لمجالات لا يمتلك علماء موجات الجاذبية وسيلة لمعرفتها، كما أن نطاق الترددات الجديد يسمح للعلماء برصد الثقوب السوداء متوسطة الكتلة (حيث الكتل النجمية تتكون من انهيار النجوم وتُستكشف عن طريق LIGO-Virgo، والأجسام العملاقة التي تتكون في مركز المجرات وتُستكشف عن طريق مرصد الفضاء LISA) من خلال كشف معظم حجم الكون المرئي.

وقد اقترح العلماء بالفعل استخدام موجات الجاذبية لدراسة الأجزاء الداخلية للثقوب السوداء والمستعرات العظمى وتحديد موقع المادة المظلمة وقياس تمدد الكون (المعروف أيضًا باسم ثابت هابل). هذا الاحتمال الأخير محير بشكل خاص لأن العلماء كانوا يقللون تدريجياً من مستوى عدم اليقين من قياساتهم لأكثر من قرن. ولكن في نفس الوقت، يتعامل العلماء مع معضلة أو تناقض يسمى ب (Hubble tension)، حيث الانخفاض في نسبة عدم التأكد بالنسبة للتمدد الكوني لا تسير بالتوازي مع الانخفاض في نسبة القياسات المختلفة.

ويقول دكتور جاني:

  إن دوران القمر يسمح لمرصد (GLOC) بإلقاء الضوء على المجرات المضيفة لاندماج الثقوب السوداء والنجوم النيوترونية، وهذا أساسي لحل معضلة (Hubble tension).

وسبب آخر شديد الأهمية جعل لوب وجاني يرشحان إنشاء (GLOC)، هو خطة NASA  ووكالات الفضاء الأخرى لاستكشاف الفضاء في السنوات القادمة، وأيضًا الخطة لإرسال رواد الفضاء إلى القمر لأول مرة منذ مهمات أبولو وذلك بحلول عام 2024، وتأمل NASA إنشاء برنامج الاستكشاف القمري الدائم.

سيشمل ذلك موطنًا فضائيًا يدور حول الأرض يسمح برحلات منتظمة إلى سطح القمر (البوابة القمرية) والبنية التحتية على السطح التي ستسهل مهمات الاستكشاف طويلة المدى (معسكر قاعدة أرتميس). لهذا السبب، يقول لوب الآن هو الوقت المثالي للتفكير في نوع البنية التحتية التي نريد أن نبنيها هناك بناءً على ما يمكن أن يقدم أفضل العوائد العلمية: 

لقد حان الوقت لاستكشاف أفضل البرامج العلمية التي يمكن متابعتها من على سطح القمر. في الماضي كان العلماء يفكرون في التلسكوبات الراديوية والأشعة فوق البنفسجية والأشعة السينية بسبب عدم وجود غلاف جوي. ونحن نقترح إمكانية جديدة ومثيرة لمشروع علمي واسع النطاق، نأمل أن يوافق عليه المجتمع العلمي.

وهذا يسلط الضوء على جانب آخر شديد التشويق في مخططات استكشاف الفضاء في هذا العقد وما يليه. فهذه المهمات الفضائية ستسمح لنا بالعودة للقمر هذا العقد لبناء البنية الأساسية التي ستقودنا للمريخ بحلول العقد القادم، وأيضًا ستسمح لنا بإجراء تجارب معملية شديدة الاهمية هنا على كوكبنا؛ لأنه كلما استطعنا استكشاف المزيد من مجموعتنا الشمسية، سنستطيع معرفة المزيد عن الكون.

 

شارك المقال:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي