كيف تغلب العالم على الأنفلونزا الآسيوية عام 1957؟

موريس هيلمان متوسطًا فريقه البحثي الذي كان يعمل على علاج للأنفلونزا الآسيوية

في ظلِّ الدعوات الحكومية وغير الحكومية الحالية، المنادية بضرورة البقاء في المنزل تجنبا للعدوى بفيروس كورونا المستجد، كوفيد-19،  نسرد لكم كيف استطاع العالم التغلب على الجائحة التي أودت بحياة ما يقارب المليوني شخص، لعلَّ التاريخ يضع لنا جزءًا من الأحجية المفقودة للنجاة من هذه الأزمة.

في فبراير من عام 1957 وُلِدَت الأنفلونزا الآسيوية في الصين، وهي ثاني جائحة أنفلونزا في القرن العشرين بعد الأنفلونزا الإسبانية، التي خَلَّفت ورائها ضحايا تضاربت الأرقام الرسمية في حصرها بين المليون إلى الأربعة ملايين حالة وفاة.

في نفس العام في شهر أبريل، وعلى الجانب الآخر من العالم في الولايات المتحدة الأمريكية،  نجد عالم الميكروبيولوجيا واللقاحات موريس هيلمان (Maurice Hilleman) يتابع أخبار الجائحة الجديدة التي أصابت هونغ كونغ في صحيفة النيويورك تايمز، ولفت نظره جُملة: «في طوابير الانتظار الممتدة أمام العيادات، تحملُ النساءُ أطفالًا بعيونٍ جامِدة مقيدين على ظهورهم».

أدرك هيلمان أن هذا الوباء قادمٌ لبلاده لا محالة، وسارع في العمل لإيجاد لقاحٍ للوباء قبل بدء موسم المدارس، ففي اليوم التالي، أرسل هيلمان إلى مختبرٍ طِبِّيٍّ تابعٍ للجيش في اليابان، في زاما تحديدًا، ليطلب منهم التحقيق فيما يجري في هونغ كونغ.

لحسن الحظ، استطاع أحدُ الضباط الأطباء العثور على جُنديٍّ في البحريةِ الأمريكية أُصيب في هونغ كونغ، وأرسل لعابه إلى هيلمان ليتمكن من دراسة الفيروس.

أثناء عمله في معهد والتر ريد (Walter Reed) لأبحاث الجيش في العاصمة واشنطن، طرح هيلمان مُلاحظةً حساسة للغاية، وهي أن البروتينين الأساسيين في فيروس الأنفلونزا وهما «الهيماغلوتينين والنورامينيداز» يحدث لهما تغيرات طفيفة دوريًّا بين فصول السنة، وهذا دفعه إلى العمل على تطعيماتٍ سنوية ضد الأنفلونزا لمواجهة هذه التغيرات.

 

بينما يخبرنا بول أوفيت مُدير مركز (Paul A. Offit) لدراسة اللقاحات في مستشفى الأطفال في فيلادلفيا:

«استطاع هيلمان الوصول إلى عددٍ كبير من أمصال الدم لأشخاصٍ من مختلف الأعمار عبر السنوات السابقة، وذلك لدراستها وليقارن بينها وبين الفيروس الجديد القادم من هونغ كونغ».

وأثناء فحصه الفيروس الذي تم الحصول عليه من الجندي في هونغ كونغ والمقارنة بينه وبين الفيروسات القديمة، توصَّل هيمان إلى اكتشاف أن هذا الفيروس ليس به تغيرات طفيفة كما هي عادة فيروس الأنلفونزا، بل هو مختلفٌ تمامًا عن كل الفيروسات السابقة. هذا الفيروس هو سلالةٌ جديدة من الأنفلونزا لم يعرفها البشر قط.

كان هذا مُفزعًا بالنسبة لهيلمان، لأن ذلك معناه عدم وجود أيِّ تحصيناتٍ دفاعية بشرية لهذا الفيروس، فباشر بإرسال نتائجه إلى منظمات صحية مختلفة ليتأكد، ويأتيه الرد بأن الأشخاص الوحيدين الذين لديهم مناعة ضد هذا الفيروس هم مجموعات صغيرة أعمارهم تتراوح بين السبعين إلى الثمانين عامًا كانوا قد نجوا من جائحة الأنفلونزا الروسية عام 1890.

نشر هيلمان العديد من التصريحات الصحفية ليُحذِّر الناس من الوباء القادم؛ الأنفلونزا الجديدة التي من المتوقع أن تصل إلى الولايات المتحدة في سبتمبر من نفس العام، ليجد الكثير من المقاومة كما هي العادة في هذه الظروف.

استطاع هيلمان في النهاية النجاح بإقناع الشركات بالبدء في العمل على لقاحات جديدة ليواجه بها الفيروس حين يصل.

ومن الجدير بالذكر أن صنع لقاح ضد سلالة جديدة من الأنفلونزا يختلف كُليًّا عن صنع لقاحٍ ضد فيروس جديد، تمامًا مثل كوفيد-19، حيث كانت بداية تطوير لقاحات الأنفلونزا في أربعينيات القرن الماضي، وليس بداية من الصفر كما هو الحال في فيروس 2019 الجديد كوفيد-19.

حانت اللحظة الحاسمة في النهاية مع دخول الفيروس إلى الولايات المتحدة في سبتمبر من نفس العام كما توقع هيلمان، لينهي حياة ما يقارب 70 ألف أمريكي، وما يقارب مليوني شخصٍ عالميًّا، إلَّا أن كل ذلك كان سيصبح أسوأ بكثير في حالة عدم وجود لقاح، حيث استطاع إنقاذ أرواح الملايين من البشر.

تخبرنا ألكساندرا لورد (Alexandra Lord)، رئيسة قسم الطب والعلوم في متحف Smithsonian الوطني للتاريخ الأمريكي:

«عندما تسير الأمورُ بشكلٍ جيد، من الصعب جدًّا أن تقول: أُنقِذَت العديدُ من الأرواح، لأننا لا نعرف ما كان سيحدث بدونها. وعلى الرغم من  أننا لا نستطيع أن نحصي عدد الأرواح التي أُنقذت بالضبط، إلَّا أننا نستطيع بكل وضوح أن نقول إنه استطاع أن يقضي على جائحة كانت ستدمر الكثير ممن نعرفهم».

قبل وفاته في عام 2005م، ساعد هيلمان في تطوير أكثر من 40 لقاحًا، العديد منها لأمراض الطفولة، وله الفضل في إنقاذ ملايين الأرواح.

لنأمل أن تصل الأبحاث الحالية إلى علاجٍ فَعَّالٍ ضد كوفيد-19، وإلى أن يحدث ذلك، فلنساعد العالم في محاربة هذا الفيروس بالبقاء في المنزل واتباع طرق الوقاية الصحية، إلى أن ينتصر البشر من جديد.

المصدر

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي