تلوث الهواء

Template_May_2016_7

دراسات حديثة تُثبت أن ملوثات الهواء لا تخترق أجسادنا فقط عن طريق التنفس، بل من خلال جلودنا أيضًا

في سبقٍ مثير للانتباه، أثبتت الدراسات الحديثة أن ملوثات الهواء لا تؤذينا فقط حين تدخل أجسامنا كهواءٍ نتنفسه، بل تخترق أجسامنا من خلال جلودنا أيضًا، ولسببٍ ما تُعدُّ المضار الناتجة عن كِلا الطريقتين متكافئة.
في المناطق الأكثر تلوثًا في العالم، ينصح الباحثون عادةً بتجنب تنفس الهواء الملوث قدر الإمكان، ففي الصين مثلًا ينصح المسئولون بالتزام المكوث في الأبنية لتقليص التعرض للهواء الملوث بالخارج، وإذا سافرت إلى طوكيو في اليابان يومًا، سيثير انتباهك ارتداء الأقنعة الطبية بين المواطنين أثناء تجولهم في الشارع.

كل ما سبق من محاولات هدفها الرئيسي هو تقليص دخول الملوثات الهوائية الضارة إلى الجسم، ورغم ذلك، اكتشف الباحثون أن نوعًا من الملوثات الهواء المشتقة من «استرات حمض الفثاليك»، تستطيع جلودنا امتصاصها وبكميات هائلة مكافئة لتلك التي نتنفسها؛ حيث يوضح «جون كيسل» قائد فريق البحث في جامعة واشنطن بالولايات المتحدة، يوضح قائلًا: «أجسادنا تشبه الإسفنجيات العملاقة في امتصاصها لتلك الجسيمات الكيميائية».

 

استرات حمض الفثاليك: هي مجموعة من المشتقات الكيميائية شبه الطائرة، تستخدم عادةً في صناعة البلاستيك لإكسابه المرونة والنعومة المطلوبة، أو كمذيب لبعض الخامات الأخرى، كما أنه يستخدم في تصنيع العديد من مستحضرات التجميل والعطور، والعديد من المنظفات المنزلية، يتم استخراج تلك المشتقات من النفط؛ حيث يتم تصنيع ما يبلغ حوالي المليوني طن كل عام من استرات حمض الفيثاليك حول العالم، وما يزيد عن عشرين نوعٍ منها يتم استخدامها في الصناعة بأشكالها المتعددة.

 

وخلال الخمسين عامًا الماضية، اكتسحت تلك المواد الكيميائية سوق الصناعة؛ حيث تُدعى تجاريًا بالملدّنات، لكن انتشار استخدامها في العديد من الصناعات الخاصة بالبلاستيك أثار الانتباه حول مدى خطورة تلك المواد، وما يمكن أن ينتج عن التعرض لها لمدة طويلة، كاستخدامها في تعليب الأطعمة على سبيل المثال، وقد اهتم الباحثون بدراستها ودراسة المضار الناتجة عن استخدامها طويل المدى خاصةً في أوروبا والولايات المتحدة.

 

أثبتت الدراسات أن تلك المركبات يمكن أن تخترق أجسامنا لتصل إلى مجرى الدم وحليب الأم والبول أيضًا، ومؤخرًا تم وصفها بالمُخِلّات لوظائف الغدد الصماء تبعًا لما تسببه من خلل في إفراز الهرمونات، كهرموني الأستروجين والإندروجين مثلًا.

 

وفي دراسات تمهيدية سابقة تعود لعام 2008م، ربط الباحثون بين تلك المركبات وبين مرض الربو؛ حيث أوضحت الدراسات أن تسخين غازات «PVC»، المستخدمة في صناعة البلاستيك، قد يساعد على تطور مرض الربو لدى البالغين، بينما التعرض طويل المدى لاسترات حمض الفيثاليك في المنزل قد يزيد من خطورة إصابة الأطفال بالربو أو الحساسية. وعلى صعيدٍ آخر، يمكن أن يزيد التعرض المستمر لهذه المركبات من احتمالية الإصابة بسرطان الثدي، لكن مازالت الأبحاث غير مؤكدة في هذا الخصوص .

 

يحاول كيسل وفريقه البحث في ما يسببه امتصاص الجلد لتلك المركبات وما قد يسببه وجودها الدائم بمجرى الدم داخل الجسم؛ فقاموا بتعريض ستة رجال أصحاء من المشاركين إلى هواء ذات تركيز مرتفع من مركبات «diethyl phthalate-DEP» و«di(n-butyl) phthalate-DnBP» المشتقة من استرات حمض الفيثاليك، وتستخدم مادة «DEP» في صناعة منتجات العناية الشخصية كالمرطبات، بينما تستخدم مادة «DnBP» كمُلدن في صناعة طلاء الأظافر.

 

تم تعريض المتطوعين إلى الهواء لما يزيد عن ستة ساعات في غرفة خاصة، وتم استخدام أغطية خاصة لرؤوسهم لعزل الهواء الملوث عن تنفسهم في الفترة الأولى، ثم قاموا بإزالة الأغطية في الفترة اللاحقة، وتم منعهم من ارتداء أي ملابس سوى البناطيل القصيرة، ومنعهم من استخدام أي منتجات للعناية بالبشرة قبل التجربة باثنتي عشرة ساعة على الأقل، وتم وضع نظام غذائي محدد لهم حتى تم تجميع عينة البول لهم بعد 66 ساعة من بدء التجربة.
جاءت النتائج بوجود ارتفاع ملحوظ في معدلات كِلا المركبين بعد التجربة، لكن ما لفت الانتباه وجود تلوث من كلا المركبين في حالة استخدام الأغطية، مما يثبت امتصاص الجلد بشكلٍ ملحوظ لتلك المركبات حتى وإن لم نتنفسها؛ حيث أثبتت النتائج أن امتصاص «DEP» عن طريق الجلد أعلى بنسبة 10% من امتصاصه عن طريق التنفس، بينما جاء امتصاص «DnBP» عن طريق الجلد أعلى بنسبة 82% من امتصاصه عن طريق التنفس.

 

وكلما زاد عمر المتطوع زاد امتصاص الجسم لكِلا المركبين عن طريق الجلد، وأظهرت النتائج ذلك بشكل ملحوظ في التجربة؛ حيث جاء امتصاص «DEP» لرجلٍ ذو 66 عامًا أعلى خمس مرات من امتصاص رجل ذو 27 عامًا، بينما كان امتصاص «DnBP» أعلى بسبع مرات.

 

ويعمل الباحثون الآن على دراسة مدى تأثير ارتداء الملابس على امتصاص تلك المركبات، وبالرغم من أن التجربة السابقة كانت على عددٍ قليل جدًا، إلا أنها أعطت نتائج واضحة وصريحة جدًا تِبعًا لعوامل الاختلاف بين الأفراد، ولأن الجلد هو أكبر عضو في الجسم، فلا بد أن يكون عامل حماية رئيسي للجسم، ورغم إثبات الدراسات أن امتصاص تلك المركبات عن طريق الجلد يتم بصورة بطيئة، إلا أنها قد تشكل خطورة على المدى البعيد من التعرض المستمر لها، وأضاف كيسل: «اذا كان الجسم بالكامل معرض لتلك المركبات، فحتى أقل نسبة منها قد تسبب الضرر».

 

ترجمة: فاطمة سامي

مراجعة لغوية: Mohammad Marashdeh

تحرير : مهند مصطفى

المصدر :

http://www.sciencealert.com/air-pollutants-are-entering-our-bodies-through-our-skin-study-finds

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي