سلسلة رحلة داخل العقل البشري الحلقة الاولى

converted-7ceb10061

|

كيف تأسس علم النفس؟

عند سماع «علم النفس» يتبادر في مخيلتنا صورة معالج بيده سيجار، يفرك ذقنه باليد الأخرى، منصتًا إلى مريض مستلقٍ على الشيزلونج يحكي تفاصيل حياته. رسم عالم النفس سيجموند فرويد «Sigmund Freud» هذه الصورة للمعالج النفسي في مخيلتنا، وسنعرف الآن كيف حدث ذلك ولماذا أثارت نظريات هذا الرجل المفكرين على مر العصور؟

 

في الحقيقة يعتبر علم النفس هو أكثر العلوم توسعًا على الإطلاق من حيث طرح الأسئلة، وطرق التطبيق، والمدارس الفكرية في علم النفس وهي: المدرسة البنائية «Structuralism» ،فالمدرسة الوظيفية «Functionalism»، ثم مدرسة التحليل النفسي «Psychoanalysis».

 

في عام 1879 بدأ فيلهلم فونت «Wilhelm Wundt» وهو عالم نفس ألمانيّ بتأسيس علم النفس عمليًا، وأنشأ معملًا لدراسة علم النفس في جامعة لايبتزغ «Leipzig» بعد نشر كتابه الأول عن مبادئ علم النفس الفسيولوجي «Principles of Physiological Psychology»، والذي يعتبر أول مرجع حقيقي في علم النفس. أعجب فونت بالكيمائيين والفزيائيين بطرق تبسيطهم للمواد المعقدة، وتساءل فونت: لماذا لا نفعل نفس الشيء في المخ؟ وحاول فهم هياكل بناء الوعي لدى البشر من خلال الحواس والذاكرة، مثل: بماذا نشعر عند رؤيتنا للشمس؟ أو عندما نشتم رائحة قهوة؟ … أو أي شيء.

 

أكمل مشاور فونت تلميذه «Edward Titchener»، وقام بوضع أساسيات المدرسة البنائية والتي تعتمد كثيرًا على الاستنباط والتأمل الداخلي الشخصي الذي قد يكون وهمي وغير موضوعي لدرجة كبيرة، فمثلًا قد تشعر بشيء مختلف تمامًا عن شخص آخر رغم سماعكم نفس المقطع الموسيقي، ولم يستطيع أحد ملاحظة الأفكار الداخلية ومراقبة إحساسه ولهذا انتهى عمر المدرسة البنائية سريعًا. ثم بدأت المدرسة الوظيفية في السطوع عندما جاء الفيلسوف والطبيب الأمريكي ويليام جايمس «William James» يطرح أسئلة مختلفة، مثل: لماذا نفكر ونشعر ونلمس؟ وكان تركيزه في طرح الأسئلة على وظائف السلوك البشري، واستند كثيرًا على نظيرات دارون التطورية بأن السلوك يتكيف باختلاف مراحل التطور، ثم نشر كتابه البديع مبادئ علم النفس «Principles of Psychology» في عام 1890، وعرّف فيه علم النفس بأنه علم يختص بالحياة العقلية للفرد، وفي هذا الوقت بدأ فرويد في تغذيه أفكاره لتكتسح الساحة.

 

كان فرويد يعمل طبيبًا في مستشفى بفيينا وتخصص في الاضطرابات العصبية، وأثناء عمله لاحظ زميلًا له يستخدم طريقة جديدة في علاج المرضى وهو ترك المريض يتكلم عن مرضه، ولاحظ أنه كلما تكلم المريض أكثر كلما قلت أعراض المرض. أحدث هذا الموقف تحولًا خارقًا في حياة فرويد، ومن تلك اللحظة قام فرويد بتحفيز مرضاه على التحدث بحرية تامة وعن أي شيء يتبادر إلى أذهانهم، وكانت تلك الطريقة أساس مهنته، كما أثْرت علم النفس بأكمله!

 

في عام 1900 نشر كتابه تفسير الأحلام «Interpretation of Dreams»، والذي عرض فيه نظريته عن التحليل النفسي، ربما تظن أن التحليل النفسي هو علاج المريض ببساطة وهو متكئًا على الأريكة، قد يكون صحيحًا ولكن هذا بالتأكيد ليس كل شيء عن التحليل النفسي؛ بل كان مفهوم فرويد عن التحليل النفسي معقدًا للغاية وكان بمثابة فكرًا ثوريًا آنذاك. إن لبّ نظرية التحليل النفسي ببساطة هو أن شخصيتنا تتحدد من خلال دوافع لسنا على وعي بها «unconscious motives»، واقترح فرويد أن جمعينا نتأثر بعمليات عقلية في غاية العمق لدرجة أننا لا نعرف ماهيتها، قد يكون هذا مفهومًا بدرجة كبيرة؛ لكن وقتها كانت الفكرة غير واضحة على الإطلاق، فكيف يساق المخ بأشياء لا يدركها؟!. كان مفهوم «اللاوعي» -وهو أي شيء دون الوعي- لايزال غير مفهوم، وعلى الرغم من أننا لسنا على وعي بهذا اللاوعي، نستطيع أن نعرفه من خلال التقنيات التي تستخدم الأحلام في العلاج أو من خلال التوقعات أو طرق الاستدعاء الحر «Free Association» – وهي تقنية علاجية لحل الصراع والمتناقضات الداخلية النفسية والتي تهدف إلى القضاء على المشاعر المكبوتة واكتساب القدرة على التبصر الذاتي ومعرفة الذات.

 

كان فرويد يود القول أن الاضطرابات العقلية قد تعالج بالمحادثة لاكتشاف الذات «Talk therapy»، وهذا حقًا إنجاز عظيم؛ لأنه في ذلك الوقت كان المرضى العقليين يقتصر علاجهم على المصحات النفسية وقد يكبلوا في أسرتهم، وفي أحسن الأحوال كانوا يمتهنون أعمال الخدم و العبيد.

استمر فرويد في نشر كتبه وأوراقه العلمية وكان دائمًا يضع صورته والسيجار في يديه، فكان يقول أن التبغ يساعده على التفكير، رغم تدهور صحته وإصابته بالسرطان، ومع ذلك لم ينقطع عن التدخين حتى قام بالانتحار بسبب شدة الألم بمساعدة طبيب زميل له قام بإعطائه جرعة مميتة من المورفين بناءً على رغبته.

 

و سواء كنت مقتنعًا بنظريات فرويد عن الطفولة والجنس والأحلام أم لا، فنظرياته تظل ملهمة لكل من المعارضين والمؤيدين له حتى الآن، وانبثق منها نظريات وطرق علاجية متطورة مثل نظرية السيكولوجيا الديناميكية «Psychodynamic Theory»، والتي تهتم بالخبرات المبكرة في حياة الفرد ودورها في تحديد شخصيته، وكيف تؤثر عمليات النفس الديناميكية في تكوين أفكاره ومشاعره وتصرفاته.

وفي منتصف القرن العشرين ظهرت العديد من المدارس مثل علم النفس الإنساني «Humanity Psychology»، الذي يرتكز على نمو الشخصية وعلم الأعصاب المعرفي «Cognitive neuroscience»، وقد ساهمت جميعها بطرق مختلفة في دراسة العقل البشري.

 

من هذه الحلقة أريد القول بأن علم النفس قد يختلف عليه الكثير من العلماء في نظرتهم إليه؛ لكن روح العلم الحقيقي هو الإتيان بطرق مختلفة في طرح أسئلة مثيرة للجدل ومحاولة الإجابة عليها بجميع الطرق الممكنة وبجمع المعلومات المتاحة، فالعقل البشري معقد وليس هناك طريقة موحدة يمكننا استخدامها لاكتشافه فلا بد من طرْقه من كافة الجوانب. وكل منا لديه هذا العقل المتفرد بتعقيده ربما أكثر من تعقيد هذا الكون بأكمله، فقط تحتاج للطرق عليه وإخراج كل ما هو مثير بداخلك!

 

إعداد: Nabila Baghdady

مراجعة لغوية: Mohammad Marashdeh

المصدر

Nerdfighteria Wiki – Intro to Psychology – Crash Course Psychology #1 [Internet]. [cited 2015 Nov 19]. Available from: http://sc.egyres.com/jSbNr

#علم_النفس_مع _الباحثون_ المصريون

#رحلة_داخل_العقل_البشري

 

 

 

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي