فلسفة الخوف (1)

فلسفة الخوف

«تذكَّر دائمًا أننا نحن من يتعذَّب، ونحن من يضع العراقيل لأنفسنا، وذلك بسبب رأينا تجاه الأمور»

إبكتيتوس

إذا كنتَ من الأشخاص الذين يُتابعون باستمرار محاضراتٍ في التنمية البشريّة، فلا بُدَّ أنك قد سمعتَ هذه العبارة أكثر من مرّة: «لا تخفْ، لا تدعْ الخوف يسيطر عليك، الخوف هو عدوّك». والمثير للسخرية هو أن ذلك الترويج لتحقيق حالةِ عدم الخوف لا يُساعدك أبدًا على اتّخاذ القرارات. ولكنَّ شعورَ الخوفِ نفسَه هو ما يُساهم في ذلك. يُمكن أن يحتجَّ أحدهم بأنه من دون الخوف لن نتمكَّن من القيام بشيء، وذلك لأننا قمنا بتحقيق أهم إنجازاتنا بعد شعورٍ بالخوف مثل: افتتاح مشروعٍ جديد، أو مُناقَشة مشروع التخرُّج. فلولا ذلك الخوف لم يكن في مقدورنا تحقيقُ أيّ شيءٍ منها. ومع أخذ هذا في الاعتبار يمكننا أن نستنتجَ أننا لا نحتاج لأن نتخلَّص من الخوف نهائيًّا، ولكن ما نحتاجه هو المقدار المناسب من الخوف.

فإحدى الطرق التي يمكنك أن تعرف بها حقيقة شخصٍ ما؛ هي سؤاله: ما هي أكبر مخاوفك؟ تكون الإجابات عادةً هي: الفشل أو الوحدة أو عدم تحقيق الذات أو عدم الزواج أو حكم الآخرين عليّ أو الموت. ويأتي الفلاسفة الرواقيّون لإخبارنا بأنه طالما تتملَّكنا هذه المخاوف، فهذا يعني أننا لم نتحرَّر بعد. ما أُنادي به كبديلٍ لمخاوفنا غير المنطقيّة ليس هو العبارات الرنّانة، مثل: «لا تدع الخوف يسيطر عليك» ولكن إعادة هيكلة مفهوم الخوف.

«مهمة الفلسفة الأساسيّة هي الاستجابة لبكاء الروح؛ إنها مُحاولة لفهم أنفسنا ومن ثَمّ تحريرها من قبضة مخاوفنا وأحزاننا»

إبكتيتوس

ومعنى هذا الكلام، أنه إذا استطاعتْ الفلسفة أن تجعلنا نفهم مخاوفنا، تصبح لدينا القدرة على تحديد القدْر الذي نحتاجه من الخوف.

ومثال على ذلك القدر المناسب من الخوف: عليك أن تخافَ من النظر إلى ماضيك والندم على شيء لم تقُمْ بفعله عوضًا عمّا فعلته، وعليك أنْ تخافَ من الوقوع في دوّامة تأجيل عملٍ ما تنوي القيام به. وبدلًا من الخوف من رأي الناس فيك عليك أن تخافَ من أن تُمضي حياتك دون أن يكونَ ذلك هو الأمر الوحيد الذي كان يشغلك، وعلاوةً على أن الناس لا يعطونك هذا القدر من الاهتمام.

«عندما أرى شخصًا يُعاني من القلق أُفكّر فيما يتوقّعه من المستقبل. فلو أنه لم يتوقَّع حدوث شيءٍ خارجٍ عن إرادته لانتهى قلقه في الحال»

إبكتيتوس

ثمة مفهومٌ خاطئٌ لطالما نقع ضحيّةً له، وهو أننا نعتقد أن مَن حولنا يقوم بمُراقبتنا في كلِّ حركة، ويُدقِّق في كلِّ كلمة نقولها، ولذلك نقوم بإخفاء وحصر أنفسنا في مكانٍ آمنٍ يُجنِّبنا التعرُّض للإحراج، مثل أننا نتجنَّب رُكن الأوزان الثقيلة في صالة الحديد، ونتجنَّب الحديث بصوتٍ عالٍ حتى لا نظهر بمظهر الجاهل. نجد أنفسنا مهووسين بفكرة “ماذا سيقول عنّي؟” ومِن المُثير للسُّخرية هو أننا بذلك نُخفي أفكارنا الحقيقيّة ونُظهر أخرى لا تُعبِّر عنّا، فنظلُّ نحكم على الأحداث الكارثيّة بأنها شيءٌ «خارجٌ عن إرادتنا» مثل الصدمات النفسيّة والتسريح عن العمل والظروف المُتعلِّقة بنشأتنا، وغيرها. ومع ذلك نُقنع أنفسنا بأن رأي الآخرين فينا يمكن أنْ نتحكَّمَ فيه.

«نحن نعاني في مُخيّلتنا أكثر من واقعنا»

سينيكا

يوجد تمرينٌ يُوصي به فلاسفة الرواقيّة يُدعى التخيُّل السلبيّ، وهو أن تتخيّلَ نفسَك في ظروفٍ لا تودُّ أنْ تكونَ جزءًا منها.

الخطوة الأولى: عليك أن تُحدّدَ بدقّةٍ ما أسوء مخاوفك فتتخيّل أنك تعيش معها.

ثم تُحدّد طريقة معيشتك إذا أصبحتْ تلك المخاوف حقيقة، وتحدّد كيف ستتخطّى هذا الأمر. وعليك أن تكونَ مُستعدًّا لأن تكون في عالمٍ لا تسير فيه الأمور كما تتمنّى، فتتحوَّل من كونك تخاف مِمّا لا تستطيع التحكُّم به إلى التحكُّم بالشخص الذي ستصبحه عند تَحقُّق تلك المخاوف.

يعطيك عدم التعلُّق بشيءٍ خارجك حالةً من الحصانة ضدَّ التألُّم الداخليّ، وهذا بالضبط ما يجعلنا أحرارًا لتقبُّل الحياة كما هي، وهذا يعني أننا نستطيع أن نعطيَ ونعيشَ ونُحبَّ دون تردُّدٍ أو نتوقَّع مُقابِلًا، مُدركين تمام الإدراك أن ما يُمنَح لنا لم يكن بأيّ حالٍ مِلكًا لنا لنتمسّك به، فكلُّ شيءٍ إلى زوال. ويجب أن تملأَنا تقلُّبات الحياة بالطاقة، وتحثَّنا على التعايش مع عشوائيّتها العذبة، بلا مبالاة تجاه الذهاب أو البقاء، والمَنح أو المَنع، فتلك مقدرةٌ من نوعٍ خاصٍّ؛ أن تحبَّ شيئًا ما بشدّة، وفي الوقت ذاته لا تشعر بالنقص بدونه.

يُعتبر الفيلسوف إبكتيتوس تجسيدًا لتلك الفكرة، فقد كان عبدًا فقيرًا يُعذَّب من قبل سيّده. وهذا شيءٌ لا يُصدَّق في نظر الإنسان العاديّ. ولكن إبكتيتوس كان مُتمسِّكًا بمبدأٍ راسخٍ بداخله، وهو: أن رأيَنا في التجارب يجعلنا نعاني أكثر من شدّة التجربة نفسها. ومن الواضح أن تطبيقَ هذا المبدأ في حياتنا أصعبُ بكثيرٍ من الحديثِ عنه. ولكن عند إيمانك بذلك المبدأ تُصبح مسؤولاً لأنْ تتصرَّف بسموٍّ في أسوءِ الظروف. ستتعرَّض لا محالة لتلك الظروف، وعندها سوف تتساءَل «هل هذه نهايتي أم أنني سأكون بخير؟» والإجابة: طالما أتنفس سأكون بخير.

وهذا يعني عدم انتصار الخوف علينا. وعند تحقُّق ما نخشاه يكون ذلك سببًا في نضجنا. ويعني أيضًا أننا نشعر بالرِّضا عندما لا تسير الأمور كما خطَّطنا لها مُتأكِّدين تمامًا بأننا ما زلنا بخيرٍ، فوجهةُ نظرٍ سليمةٍ عن الخوف تُحرِّرنا من الانهيار عندما نواجَهُ به في حياتنا.

«يُواجه الإنسان بشجاعةٍ ما هو مُستعِدٌّ له مُسبقًا، وحتّى المُعاناة يُمكن الصُّمود إزائها إذا تدرَّب عليها سابقًا. وفي المُقابل يُصاب غيرُ المستعدِّين بالذُّعر بسبب أبسط الأمور. لذلك يجب أن نحرصَ على ألا نُفاجَأَ بشيء. وما يجعل الأمور تبدو مُخيفةً عمّا هي عليه في الحقيقة، هي أنها غير مألوفة بالنسبة لنا. ولعلَّ التأمُّل المُتواصل، سيضمن لك، إذا أصبح عادةً لديك، أنه لا تجدك الصعابُ حديثَ عهدٍ بها»

سينيكا

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي