كتاب الساحل البشري .. قدم على البر وأخرى في البحر.

1449015596

كتاب الساحل البشري||

The Human Shore : Seacoasts In History   لمؤلفه جون آر غيليس John R. Gillis  هو الأسم الأصلي للكتاب الذي يحمل عنوان ” الساحل البشري ” بترجمة :ابتهال الخطيب ونشر عن عالم المعرفة التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت ، كتاب يحاول فيه المؤلف سرد تاريخ الساحل البشري وعلاقته بالإنسان والتأثير والتأثر بين الجانبين وعلاقة الإنسان الازلية بين الأرض والساحل ، ولعل أجمل ما ذكرته مترجمة الكتاب في مقدمتها الخاصة هي فكرة جنة عدن على الأرض ، تلك الفكرة التي أسهمت فى تثبيت الفكرة العدائية للسواحل على أنها خطوط فاصلة بين أمان الأرض وخطر المياه .

 

علاقة المؤرخ والجغرافي  بالساحل :

إن علاقة المؤرخ بدراسة الساحل تعتمد على أنه أماكن يبدأ عندها التاريخ وينتهي وتنحصر أهميتها بكونها عتبات بحكم تفضيل المؤرخون فى سردهم على الطبيعة الأرضية وتفضيلها عن الماء وهو قصور في الفهم كما يعترف الكاتب ، ففي الحين الذي يُهمل فيه المؤرخ هذه النقطة كانت السواحل هي مواطن لأعداد مهمة من البشرية ومواقع إنتماء شديدة وقد تكون هي المواطن الأصلية للإنسان العاقل Homo Sapiens  مما يجعل العلاقة بين أهمية السواحل إدارك هذه الأهمية موضوع جدير بالكتابة عنه ، وارتباطًا بنفس الاهمية فإن الحضارة البشرية في حد ذاتها مرتبطة بهذا الأساس البشري ، ولا تختزل الحضارات بالأرض مثل الحضارة الغربية التي سجنت حدودها داخل الأرض برغم إنجازاتها البحرية إلا أنها لم تشكل هذه الإنجازات هويتها الحضارية الرئيسية.

 

وكما أهمل المؤرخ هذه النقطة ، لم ينجح الجغرافي بطبيعة عمله في إعطاء الساحل أهميته الكبرى بدليل أن علم المحيطات ودراستها هي آخر العلوم الأرضية الوليدة في العصر الحديث حيث أنهم – الجغرافيين – فشلوا في إعطاء القدر الكبير لإهتمامهم الجغرافي لسبعة اعشار سطح الكوكب المغطى بالمياه ،تلك النسبة العظمي التي أهلت بأن أهم مجموعة من جنس العاقل خرجت عن طريق أقصى نقطة جنوبية في البحر الأحمر التي تُعرف بإسم باب المندب Gate of Grief  كما يؤكد الكاتب الأصلي ، بل ظهرت أفضلية الساحل وشعوبه أيضا عندما كانت لهم أفضلية القدرة على الإستقرار في مكان واحد يجمع بين السكن وأماكن الغعتماد على الصيد كمصدر للرزق ، بينما فشل أهل الأرض الداخلية في تحقيق هذا الإستقرار لفترات طويلة عبر التاريخ الإنساني.

 

الشعوب الساحلية :

            كانت ولادة الحضارة البشرية حيث تلتقي اليابسة بالماء ، وكما تذكر راتشيل كارسون أن الجذور الحقيقية لوجود الإنسان وما أسمته ” الأم العظيمة للحياة ..البحر ” ، فإن التطور الإنساني المصاحب لتلك الولادة البشرية قد ظهر بظهور الزراعة وخاصة في منطقة الشرق الأوسط والهند قبل عشرة آلاف سنة مضت، بل وأقدم من ذلك ..فقد أثبتت الدرسات الحديثة أن إنسان العصر الحجري كان يزرع المحاصيل ويزاوج الحيوانات، وبغض النظر عن ضرورة اليقين بهذه الدراسة فإن حضارات الساحل وشعوبها قد تطورت بكثير عن حضارات الداخل فيما يتعلق بالإستقلالية كما ذكر من قبل، أضف على ذلك أن المجتمعات الساحلية كانت مختلفة عن مجتمعات اليابسة المغلقة وكانت توازي هذه المجتمعات إن لم تكون سبقتها فيما يتعلق بالجوانب الثقافية والاقتصادية، حيث التقاء اليابسة بالماء جعل منهم زراعيين وبحريين سواء بسواء ، لقد كانت لدريهم قدرة برمائية عظيمة تلك القدرة التي جعلتهم يستغلون كلا الطرفين كطريقة للاستقرار المنشود.

 

سمحت السواحل لشعوبها بأن تنمي وتطور علاقاتها الاقتصادية والاجتماعية عن طريق التجارة عبر السواحل الممتدة التي جعلت من شعوبها مؤهلين لقدر كبير من الثراء بجانب الاستقرار حتى استطاعت هذه الشعوب إنشاء مستعمرات ومقاطعات تجارية لتكون إمبراطوريات عظمى أمثال الهولنديين والبريطانيين التي ولدت في البحر و ظهرت لنا سلطات وحكومات غير رسمية بما يُسمى “Thalassocracies” أو الدول المحكومة بالبحر بسيطرة عظمى.

 

غربة الساحل :

لم تختلف العلاقة بين الشعوب الساحلية ونظيرتها الداخلية على أماكن الاستقرار وطبيعة العيش، بل سبق كل ذلك النظرة السطحية لشعوب اليابسة نحو شعوب الساحل ، شهد التاريخ البشري تباين كبير من حيث هذه النظرة التي شكلها الجهل تارة والخوف تارة أخرى لطبيعة الاستقرار على السواحل، إن الإغريق كانوا ينظرون إلى البحر على أنه غريبًا ومثيرًا  بل مكانًا يجلب الموت يأخذ الأشياء بعيدًا ويجعلها تختفي ، وقد تكون هذه النظرة للإغريق غير شاملة، ولكن ربما ينطبق هذا الوصف في علاقتهم بالساحل في بدايات ظهور إمبراطوريتهم، أو بمعنى أصح الأغريق القدماء الذين كانوا يعتبرون انفسهم شعوبًا معزولة عن البحر وأيضا عن غيرها من شعوب البر حتى اطلق على مدنهم العظيمة “الجزر المعزولة في الأرض”، كل ذلك أعطى للساحل غربة شديدة لأمثال هذه الحضارات، تلك الغربة التي جعلت من لفظ المحيط Ocean  لم يظهر بمسماه اللفظي إلا في العصور الحديثة ، وظل عبر العصور الوسطي جميعها يُختزل بكونه بحار شديدة الضخامة ويتعذر الإحاطة بها وكانت السواحل التي تحيط به تُسمى بأسماء الدول التي تطل عليه كالساحل الأسباني والساحل الألماني حتي ظهر لنا مفهوم المحيط الأطلنطي مع القرن السابع عشر الميلادي.

زادت هذه الغربة للساحل عندما اعتبر الوثنيين الساحل نقطة فاصلة بين الأحياء والأموات ومكانًا للتواصل مع الأرواح ، فقد صمم هؤلاء قبورًا لذويهم تجري في الماء ، ولم تقتصر هذه النظرة على الوثنيين فقط ، فقد كان عسر الإنسان الحجري والبرونزي يطلق موتاه على الساحل او يدفنهم في أقرب جزيرة ساحلية حيث الحياة الأبدية التي لا يقترب منها أحد لذا ارتبط الساحل بالغموض والغربة بل والتقديس لفترات طويلة ، فقد ظلت سواحل بيرو مشاهد لطقوس دفن لفترات طويلة عبر الزمن.

 

السواحل وهجرات العالم الجديد :

شكلت الهجرات طوال التاريخ البشري طورًا من أطوار التغير المكاني والعرقي لأكثر سكان العالم ، وكانت السواحل هي محط أغلب هذه الهجرات البشرية منذ أزمان قديمة حتى العصر الحديث الذي شكلت فيه الهجرة الاوربية نحو السواحل الأميريكية أكبر أشكال هذه الهجرات البشرية حيث كانت في حركة دائمة وإن كانت النظرة الأوربية لهذه السواحل تجارية في المقام الأول ، بينما كان على الجانب الآخر السكان الأصليون لأمريكا يعملون بالصيد على طول الساحل لمدة لا تقل عن أربعة آلاف عام كما يؤكد غيليس ، كان هذا التلاقي بين المشهدين في مطلع القرن التاسع عشر وإن كان لم يكن أول المشاهد ، وبإستثناء أسبانيا ..لم تكن هناك قوة أوربية حديثة مهتمة بإمتلاك خط ساحلي مستمر وخاصة في العالم ” الجديد” ، ذلك العالم الذي كان له دورًا كبيرًا في المسمي الجديد الذي ظهر في القرن التاسع عشر وهو القارات.

 


إعداد: عمر بكر

مراجعة: عبدالله طه

 

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي