لماذا عليك تفلسف الفلسفة؟!

لماذا_عليك_تَفلسُف_الفلسفة؟

إذا ذهبت إلى المدرسة ومن ثم الجامعة للتعلم؛ فمن الطبيعي أن تتعلم العلوم النظرية وقلما تعلمت بشكلٍ عمليّ، وإن حدث يكن بلا قيمة تُذكر، ويأتي سوق العمل لتنجز فيه كل ما تعلمت في هذه السنين!

هكذا الحال عند تناول مُقدِّمة إلى الفلسفةِ أو الانتساب إلى مقرَّرٍ فيها؛ ستدرك إسرافك في الوقت على حجج فلسفية بينما تقتصد في تعلُّم التفلسف حقًا!
إذًا كيف نبدأ فيتعلم مهارات التفلسف؟ وما هي ماهيته؟ وما هي المقدمات؟وعلى أيّ أساس نقبل مُقدِّمات الحجج؟ والتي تقتضي معرفة أشكال التبرير العقلي، فما هي؟ وكيف ننتقد الحجج؟ وهل تدعو الفلسفة إلى الهدم أم البناء؟ وما معنى أن تكون فيلسوفًا متفلسفًا؟

دعنا نستطرد قليلًا قبل التعمق في هذا الأمر، ودعني أسألك سؤال أيها القارئ: تُرى من أين نبدأ؟
حسنًا، دعني أخبرك أنَّه من الطبيعي في الفلسفة بشكلٍ خاص أن نتساءل عن كل شيء ولا ندّعي صحة أي شيء، وأن نناقش كل شيء في تفكيرنا عن العالم، وعن أنفسنا، وقيمنا، ومعتقداتنا نقاشًا سلسًا ومحايدًا نتحسس فيه الوصول إلى الحقيقة ونتتبعها أينما اتجهت.
علاوة على ذلك، أنّه لا يستطيع المرء دائمًا مناقشة كل شيء دفعةً واحدة، وإلا لما استطعنا قط معالجة أهم المسائل الأساسية في الفلسفة كـ (إمكانية الحصول على المعرفة، ووجود العالم الخارجي أو عدم وجوده).

الجدير بالذكر، أنَّه على الرغم من صحة القول (إن الفلسفة تتساءل عن كل شيء، ولا تدّعي صحة أي شيء)، فلابد أن يكون هذا التساؤل في محله!

مثلًا، نتساءل عن العالم الخارجي عندما نكون بصدد دراسة فلسفة ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا)، وليس عندما نكون بصدد دراسة فلسفة العقل… إلخ

وتكمن المشكلة هنا في تحديد الأسئلة الأساسية والأهم بالنسبة للقضية التي يتم مناقشتها، حيث يحتاج المرء إلى الحكم السليم، ويبدو الأمر ها هنا أشبه بمن يمتلك موهبة، ولكن لا تقلق؛ فكما يمكن تنمية هذي الموهبة، يمكن أيضًا تعلمها بشكلٍ مباشر.

وعلاوة على ذلك، (يُعدُّ الإدراك بوجود مشكلة بأنه بداية جيدة).
يشرع الناس في التفلسف، معتقدينأنه بمجرد الطعن في دعوى تقوم عليها حُجّة ما؛ أنّه يمكنهم تسجيل بعض النقاط بسهولة، ولكننا في حاجة إلى ادِّعاء بعض الدعاوى لكي نبدأ. والمهم هنا: إذا كان ما ندّعيه من الدعاوى ملائمًا (أي في محلّه) أم غير ملائم.
وترتبط دائمًا المعرفة بتكوين البدايات والمقدمات للهدف الذي نَوْد حتى نصل إلى الغاية الكبرى.

فما ماهية الفلسفة والتفلسف؟

يعتقد البعض أنَّ الفلسفة تدور حول الأفكار، ولكنها تتناول بشكل أدق الحجج أوالأدلة.
وبناءً على ذلك، لا جدوى من وجود لديك فكرة فلسفية عظيمةكـ (إنَّ كل الأشياء في الكون مكوّنةمن جوهر واحد)؛ وذلك إذا لم تتمكن من الإتيان بحجج أو أدلة تدعم هذي الفكرة.
وأساسًا، تعتبر الحجج تبريرات عقلية للنتائج، وهناك صورٌ كثيرة تُتِمُّ عملية التبرير العقليهذي.

وننتقل من هنا إلى توضيح (المقدِّمات-premises) أي الذي نحتجّ به.

المقدِّمات:

إنَّ مقدِّمات الحُجّة هي حجر الأساس الذي يجب القبول بأنها صادقة لكي يجري التبرير في مجراه.
انتبه هنا لهذا المثال، (الحُجّة بأن الله لا يمكن أن يوجد لأن الشر موجود في هذا العالم، والله الخيِّر المقتدر لن يسمح بوجوده).

وهنا ثلاث مقدِّمات تقوم عليها هذي الحُجّة:

  • إذا كان الله موجودًا؛ فإن الله ذو قدرة عظيمة.
  • إذا كان الله موجودًا؛ فإن الله خيّر ومُحب.
  • أنّه يوجد شر في هذا العالم.

تُحاول الحُجّة من خلال هذه المقدِّمات أن تبرهن أن الله غير موجود (أي أنَّ المقدِّمات تُستخدم لإيجاد مبرِّر عقلي لاستنتاج نتيجة، وهنا أنَّ الله لا يمكن أن يكون موجود)، وهذا بقبول صدق المقدِّمات، لكن إذا رفض المرء منا أية واحدة من هذه المقدِّمات؛ فإن الحُجّة لا يمكن أن تقوم. فمثلًا، إذا اعتقدنا أنّه لا يوجد شر في الكون؛ فحينئذ تعتبر الحُجّة غير موجودة أساسًا.

ويستدعي توضيح فكرة هذي الحُجّة بعضًا من التوضيح الوجيز: إنَّ حقيقة الشر موجودة، ولا يمكن أنْ يختلف عليها أحد، إذًا كيف يمكن وجود الله مع وجود الشر؟!
– إنَّ رغم ما يسببه الشر -أي كل ما هو سيء- من ألم على المدى القريب لأي شخص أو لأي كائن حي؛ فإنّه مفيد جدًا على المدى البعيد -وهذا البعد نسبي-، فكما يريد منك طبيب الأسنان أن تتحمل بعض الألم الآن لأنك ستستفيد منه على المدى البعيد، كذلك يتيح الله -بحسب هذا الرأي- هذا الألم لنا لأنّه ضروري على المدى البعيد، وهذا لا ينكر حقيقة الألم أو الشر، لكنّه يوضح سبب كونه ضروريًا.

إذًا على أيّ أساس نقبل مُقدِّمات الحجج؟
– يُطلب في بعض الأحيان منا قبول مُقدّمة على أساس (البيّنة أو الشاهد-Evidence)، وفي هذا المثال نتفق جميعًا حول وجود الشرّ بصوره المختلفة من حصول دمار شامل أو قتل جماعي وغير ذلك من الأفعال الفظيعة المدوّنة في التاريخ.

– ويُطلب في أحيانٍ أخرى القبول بالمقدِّمات بناءً على مفاهيم، وفي المثال المذكور أعلاه يبدو لنا فيه أنَّ جزء من مفهوم الله هو القول: إنَّ الله مقتدر ومُحب.

– وتجد بعض المقدِّمات تبريرًا لها بناءً على أسباب منطقية أساسية. فحين نقول: إنّه لا يمكن للشيء أن يكون وألا يكون في الوقت ذاته، فذلك حقيقة منطقيّة أوّليّة.

– ويُطلب في بعض الأحيان منّا القبول بإحدى المقدِّمات؛ لأنّها في ذاتها نتيجة لِحُجّة أخرى.

والخلاصة: تأتي المقدِّمات في بعض الأحيان بصيغ واضحة، وفي أحيانٍ أخرى تُفترض بصور ضمنيّة. وفي كلتا الحالتين، عندما يقوِّم المرء إحدى الحُجج لابد أنْ يكون قادرًا على:
1- تمييز ما لها من مُقدِّمات.
2- تقرير ما إذا كان من اللازم قبولها.
حينئذ فقط يجب علينا التحرك للنظر فيما إذا كان التبرير العقلي للنتيجة كافيًا، ونوضح تاليًا أشكاله.

 

فما هي أشكال التبرير العقلي؟

من الطبيعي أن تنتقل جميع الحجج من المقدِّمات إلى النتائج، ويجد هنا صور مختلفة لهذا الانتقال.

وهناك ثلاثة صور من أهم صور هذا الانتقال:

  • الاستنتاج أو الاستنباط (Deduction).
  • الاستقراء (Induction).
  • الانتقاء أو الاستبقاء (Abduction).

الاستنتاج أو الاستنباط (Deduction):

  • هو أكثر الأشكال صرامة.

يجب أن يكون في الحُجّة الاستنتاجية الانتقال من المقدِّمات نحو النتائج انتقالًا دقيقًا وصارمًا كما في المجموع الحسابي، حيث (1+1=2) بلا خلاف، كذلك في الحُجّة الاستنتاجية (مقدمة + مقدمة = نتيجة بلا خلاف).
على سبيل المثال: ليفربول هو أعظم فريق لكرة القدم في بريطانيا، محمد صلاح يلعب لفريق ليفربول؛ إذن محمد صلاح يلعب لأعظم فريق لكرة القدم في بريطانيا.
لاحظ أنه في دعوى كهذه تقف «إذن» بالنسبة للمقدِّمتين والنتيجة كـ «=» بالنسبة للمجموع والنتيجة.
ويجب أن يكون واضحًا في المثال أن النتيجة تأتي بعد مقدمتين مثلما تكون (2) مجموع (1+1). وهذا يعني أنّه إذا كانت المقدِّمتين صادقتين (True)؛ فلابد أن تكون النتيجة أيضًا صادقة، ويقال عن حُجّة كهذي أنها صحيحة أو صالحة (Valid)، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن البرهان على (النتيجة-Conclusion) صادقة، فلا يتم البرهان على صدقها -أي حقيقتها- إلا إذا كانت المقدِّمتان صادقتين. (في هذا المثال، يبدو أن إحدى المقدمتين غير صادقة). إذا كانت المقدِّمتان صادقتين، وكانت الحُجّة صادقة؛ فإن الحُجّةعندئذ تكون سليمة (Sound)، والحُجّة السليمة هي بؤرة الهدف الفلسفية، أو عين الثور الفلسفية كما يُقالفي الإنجليزية (Philosophical bull’s eye).
رُغم صرامة الحُجج الاستنتاجية -أي أنها في وضع مثالي لتبرير الحُجج- إلا أنّه ليس من الممكن دائمًا الاستعانة بها، ونوضح ذلك في الشكل الثاني للحُجّة: الاستقراء.

الاستقراء (Induction):

  • ليس من الضروري هنا أن يكون هناك صلة بين حقائق المقدِّمات والنتائج.

تُعد المقدِّمات في الحُجّة الاستقرائية دليلًا جيدًا على صدق النتيجة، لكن لا تُعد ضمانًا لصدقها.

على سبيل المثال: لم يَجر أيُّ امرئ (100) متر في أقل من (9.7) ثانية، وسوف تجري جيني (100) مترًاغدًا؛ إذن لن تجري جيني (100) مترًا غدًا في أقل من (9.7) ثانية.
وتبدو نتيجة هذي الحُجّة مضمونة إلى درجة أنك تراهن عليها بآخر جنية لديك، لكن النتيجة لا تتبع أو تلزم بأية ضرورة من المقدِّمتين، ويمكن أن تكون كلتا المقدِّمتين صادقتين، ومع ذلك تكون النتيجة باطلة أو كاذبة (False)؛ لأن جيني يمكن أنْ تُفاجئنا جميعًا فتجري (100) متر بسرعة غير طبيعية، وبهذه الصورة تكون الحُجّة غير صحيحة أو صالحة استقرائيًا.
يُحتمل ألا يشغلنا هنا كون الحُجّة غير صالحة؛ وذلك لأننا لا نطلب من النتيجة أن تتبع أو تلزم كأمر ضروري من المقدِّمتين، ويكفي وجود أسبابًا وجيهة للقبول بالنتيجة.
الحُجج الاستقرائية لا تتطلب برهانًا من المعيار الصارم ذاته الذي تتطلبه الحجج الاستنتاجية؛ فلماذا إذن نقبل بالحجج الاستقرائية إذا كانت أقل صرامة؟!
– يكمن الجواب في أننا لا نملك في الغالب خيارًا آخر.

فحين نفكر في أمور الحقيقة يجب أن نبني الحجج على خبرات الماضي، وهذه الخبرات محدودة دائمًا بأننا لا نستطيع معرفة كل الذي حدث في الماضي وبالتالي لا نملك خبرة عمّا سوف يتبعه في المستقبل؛ وبالتالي غالبًا ما تخفق خبرتنا المحدودة في اختبار الصلاح الاستنتاجي؛ وذلك لأن كل الحجج من هذا القبيل هي، من الأساس، من الشكل التالي: في كل مرة لاحظنا فيها (س) في الماضي كان (ع) صادقًا عن (س)؛ وإذن (ع) يصدق عن (س) في المستقبل وعمّا لم نلاحظه في الماضي.
من الواضح أنَّ هذي الحُجّة غير صالحة، لكن إذا لم نفكر بهذي الصورة فلن نستدل على شيء.
على سبيل المثال: كل المياه تتجمد في درجة (0 مئوية)، أو أن جميع الناس ميّتون -أي معرضون للموت-، ففي كلتا الحالتين، كما في جميع التعميمات الأخرى حول أمور الحقيقة، نُصدّر تعميمًا عن جميع الحالات على أساس عدد محدود من الحالات وإن كان في الغالب كبير.
فنستخدم الحجج الاستقرائية إن كانت المقدِّمات دليلًا كافيًا لتبرير النتائج أو الاستنتاجات.

 

الانتقاء أو الاستبقاء (abduction):

  • الحُجّة بأحسن تعليل.

على سبيل المثال: اكتشف الناس علامات غريبة في الحقول منذ عدة سنوات، وبدا أنَّ هذه العلامات المعروفة بـ «حلقات المحصول» كانت تظهر فجأة، وغير معروف أيّ مصدر لها؛ فمن أين كانت تأتي؟

لا يمكن أنْ تُجدي هنا أيّ حُجّة استنتاجية، ولكون هذه الحلقات موجودة، ولا أحد يعلم من أين أتت؛ فلم يكن بوسع أيّ أحد استنتاج أية حقائق عن مصادرها بواسطة حُجّة صالحة، وعلاوة على ذلك، تعتبر الحجج الاستقرائية غير مناسبة أيضًا؛ لأنه لم يكن هناك أيّة تجارب ماضية تطابق هذه الظاهرات المباشرة؛ وبناءً على ذلك، كانت الطريقة البديلة والوحيدة هي الاستبقاء، حيث نبحث عن أفضل تعليل للظاهرة ونستبقيه.

والخلاصة: يقدِّم الاستنتاج والاستقراء والاستبقاء ثلاثة نماذج للحجج، ويزوِّدنا كلًا منهم بصورة مختلفة لإنتاج علّة عقلية تبرِّر الاستدلال على خلاصة أو نتيجة من المقدِّمات، ويحتاج المرء القدرة على تحديد أي نوع من الحجج تجري الاستعانة به، وهل من المناسب الاستعانة به في السياق؟ وهل يتمّ استخدامه بصورة تدعو للرضا؟

ما مرَّ علينا حتى الآن يزوِّدنا بعرضٍ موجز لأساسيات المناقشة الفلسفية، ومع فهم المرء جميع ما تنطوي عليه من دروس؛ فسيكون في متناوله طيف واسع من الأدوات لانتقاد الحجج.

إذًا كيف ننتقد الحجج؟

  • أولًا، يستطيع المرء بيان أنَّ الحجة تقوم على مقدِّمة كاذبة، ومن الضروري في بعض الأحيان، بيان أن المقدِّمة كاذبة فعلًا، وفي أحيان أخرى، يمكن الاكتفاء ببيان أنَّ المقدِّمة لم يُبرهن على صدقها.
    على سبيل المثال: إذا أراد أحدهم الادّعاء بوجوب منح (قردة البابون-Baboons) حقوقًا مدنية كاملة؛ وذلك لأنها تبرهن على مقدرتها على التفكير المجرد؛ بناءً على ذلك، تسقط دعواه إذا لم يتمّ إثبات صدق المقدِّمة.
    وفي نهاية المطاف، لا يحتاج المرء هنا بيان أنَّ القردة المذكورة لا تملك المقدرة على التفكير المجرد، بل يكفي بيان أنّه لم يثبت أنها تملك المقدرة المذكورة.
  • ثانيًا، يستطيع المرء بيان أنَّ الحُجّة تعتمد على مقدِّمة لم يتمّ إقرارها، وأنّها إمّا كاذبة وإما لم يُبرهن على أنّها صادقة.
    على سبيل المثال: في الحُجّة بشأن القردة، ربما كان الادّعاء من قبل صاحب الحُجّة مقصورًا على أنها تملك المقدرة على التفكير المجرد؛ وبناءً على ذلك، فإنَّ الحُجّة تقوم عندئذ على مقدِّمة غير مبنيِّة وغير مقرَّرة.
    وفي نهاية المطاف، يستطيع الناقد عندئذ بيان أنَّ هذي المقدِّمة ضرورية في الحقيقة لكي تقبل الحُجّة، ثم يُبيّن أنّها إما كاذبة وإما لم يثبت دليل على صدقها.
  • ثالثًا، يستطيع المرء بيان أنَّ الحُجّة غير صالحة، إذا كانت استنتاجية من حيث البنية، ويفعل المرء هذا بأن يُبيّن أنَّ المقدِّمات لا تضمن صدق النتيجة.
    على سبيل المثال: قد يدّعي أحدهم بأنْ إذا كان جون قد سَكَرَ الليلة الماضية فسيبدو متعبًا هذا الصباح.
    – يبدو جون متعبًا هذا الصباح.
    – إذن، سَكَرَ جون الليلة الماضية.يمكن إثبات أنَّ هذي الحُجّة غير صادقة؛ لأنَّ من الممكن أنْ تكون كلتا المقدّمتين صادقتين، ومع ذلك تكون النتيجة كاذبة!
    مثال: قد يكون صحيحًا أنَّ جون يبدو متعبًا دائمًا عند الصباح إذا سَكَرَ في الليلة السابقة، وأنَّ جون يبدو متعبًا هذا الصباح، لكن في هذي المرة يبدو متعبًا جدًا؛ وذلك لأنَّ جيرانه حرموه من النوم طوال الليل عندما كانوا يستمعون إلى أغاني جون ماتيس بأعلى صوت، وليس لأنه سَكِر؛ وبناءً على ذلك، فإن الحُجّة غير صادقة.
  • رابعًا، يستطيع المرء في حُجّة استقرائية بيان أنَّ المقدِّمتين لا تزوِّدان بدليل كاف للاستدلال منه على النتيجة، وإذا فكرت بأنَّ «كلّ من عاش قد مات؛ إذن أناْ أيضًا سوف أموت»، فهذا استدلال للتبرير، لكن إذا فكرت بأنَّ «كلّ مَنْ التقيتُه ممّن يُسمَّون سمعان كان أهبلًا مزعجًا»؛ إذن كل مَنْ يُدْعى سمعان هو أهبل مزعج؛ وبناءً على ذلك، فإن هذا ليس استدلالًا مبرَّرًا بصورة واضحة، ويتوقف ذلك على كَوْن الحُجّة مبنيّة على دليل من نوع يمكن التعميم منه بصورة موثوقة، والمجموعة المحدودة من المعارف الذين يحملون الاسم ذاته ليست دليلًا من نوع يمكن أنْ يُعمِّم المرء منه على جميع من يحمل الاسم ذاته من الناس.
  • خامسًا، يمكن أن يحتجّ المرء بوجود تعليل أفضل من التعليل المقترح في الحُجّة الاستبقائية، يستطيع المرء يبيّن أنَّ الحل البديل يعلل أكثر، ويعتمد على مصادفات أقل أو يدّعي ادّعاءات أقل.
    على سبيل المثال: في المثال عن حلقات المحاصيل[1] يتطلب التعليل بأنَّ الريح تسبب الحلقات، أنْ يفترض المرء أنَّ طقسًا قاسيًا سبب خلق بعض الأشكال المعقدة تعقيدًا يلفتُ الانتباه، والقول بأنَّ بعضهم فعلها من قبيل الخداع ينطوي على تعليل أكثر؛ لأنه يشرح لا مظهر الحلقات وحسب بل تصميمها المعقّد أيضًا.
  • سادسًا، يمكن أنْ يحتجّ المرء بأنّه قد تمت الاستعانة بتبريرٍ غير ملائم أو كاف.
    إنَّ القضايا المختلفة تستدعي أنواعًا مختلفة من الحجج، قد يحتاج الأمر في بعض الحالات إلى برهان قوي من حُجّة استنتاجية، لكن لا تُقدِّم سوى حُجّة استقرائية، ويظهر ذلك بشدة حين يقدِّم أحدهم حُجّة على أنّها برهان قوي، لكنّها لا تصلح لأن تكون صالحة استنتاجيًا.
    إنَّ مُطابقة الشكل الصحيح من الحُجّةِ للقضية الصحيحة هي مهارة مهمة مثل بناء المرء حُججه بناءً جيدًا.

يمكن أنْ نرى مما قيل حتى الآن أنَّ فحص الحُجج الفلسفية هو مشروع سلبي نوعًا ما، وقد تمّ التركيز على الانتقاد وعلى اكتشاف الأخطاء، لكن المؤكد أنَّ الهدف هو العثور على الحقيقة وليس الفصل بين الحجج وحسب، وهذا ينقلنا إلى سؤالنا عن دعوة الفلسفة للهدم أم للبناء.

إذًا هل تدعو الفلسفة إلى الهدم أم البناء؟

طبعًا، ليست الفلسفة مشروعًا سلبيًا تمامًا، لكنْ من الخطأ التفكير بأنَّ جوانبها الانتقادية سلبية بمجملها.
ومما لا شك فيه، عندما نفحص الحُجج من كل جوانبها، ونحاول العثور على عيوب فيها، لا نفعل ذلك (أو يجب ألا نفعله) لمجرد الاستمتاع باكتشاف العيوب.

إنَّ وظيفة مثل هذا الفحص الانتقادي هي أشبه بوظيفة دائرة مراقبة الجودة في مصنع، فالشركة التي تنفق الكثير من مواردها في فحص دقيق لمنتوجاتها من أجل ضمنان مقاومتها عند كثرة الاستعمال هي شركة يحتمل أن تنتج سلعًا متفوقة، ويؤمل من شركة الفلسفة أن تحذو على هذا النحو من التدقيق لنحصل في نهاية المطاف على منتج عالي الجودة.

نحن نفحص الحجج فحصًا دقيقًا؛ لأننا نريد من تلك التي تذيع فعلًا، وتستمتع بحياة عقلية أن تكون قابلة للدوام، وفعّالة بقدر الإمكان، وعلاوة على ذلك، يقرَّر في أغلب الأحيان أنَّ إحدى الحجج لا تجتاز الفحص، فهل يعني هذا التخلي عنها؟
– لا، إطلاقًا، فيمكننا دائمًا التعلم إذا فحصنا عن كثب إحدى الحجج وإن انتهى الأمر بأنْ نرفضها، ويوجد ثلاثة صور لفعل ذلك:

  • أولًا، إنَّ الحجج الكبرى في الفلسفة قد عُرضت -في بعض الوقت على الأقل-، واعتقد بها نفر من أذكى الناس في المجتمع، ولا يُحتمل أنْ يكون كل هؤلاء مخطئين، ويوجد جزء على الأقل يتحدث عن الحقيقة عندما تُخفق إحدى الحجج؛ لذلك هناك جدوى دائمًا من البحث عن الحقيقة أو البصيرة التي تكمن وراء الحُجّة المعيبة.

على سبيل المثال: الأطروحة السلوكية بأنَّ جميع المفاهيم العقلية ترجع إلى سلوكيات بدلًا من حوادث عقلية داخلية، وهذي الأطروحة لا تحظى بكثير من المؤيدين في الوقت الحاضر، والسر هنا هو إدراكنا الحاجة إلى شيء عام لتثبيت معنى المفاهيم العقلية لكي تملك أي معنى مشترك؛ وإذن، يُعَدّ اكتشافنا ما هو حقيقي في المذهب السلوكي أمرًا أساسيًا إذا كان لنا أن نتعلم أي شيء منه.

  • ثانيًا، إذا كانت الحُجّة معيبة أو ناقصة فقد تكون مما يحتاج قليلًا من التحسين.

على سبيل المثال: إذا كان أحدهم يناقش في علم الأخلاق التطبيقي، واستخدم المقدمة: «من الخطأ دائمًا قتل الإنسان» في حُجّة ضد (القتل الرحيم-Euthanasia) فإنَّ معظم الناس سيرفضون الحُجّة؛ وذلك لأنَّ قليلًا جدًا من الناس من يرون أنَّ «من الخطأ دائمًا قتل الإنسان».
ومثالًا آخر: الدفاع عن النفس، قد يكون من الأمثلة التي يجوز فيها القتل، لكن بدلًا من الاكتفاء برفض الحُجّة، قد يكون أجدى كثيرًا إعادة النظر فيها.
في هذي الحالة ربما أمكن تعديل المقدِّمة لتصبح «من الخطأ دائمًا قتل إنسان بريء»، فيمكن لعملية مراجعة الحُجّة هذي وتقويتها أنْ تستمر زمنًا طويلًا.
إذا لم يحاول المرء على الأقل بناء أقوى حُجّة ممكنة لأحد المواقف قبل رفضه، فإنّه لن يكون قد منح هذا الموقف فرصة عادلة.

 

  • ثالثًا، السبب الآخر للبحث ما وراء إخفاقات إحدى الحجج هو أننا نستطيع دائمًا الإفادة من أخطائها وإنْ كانت غير قابلة حقًا للترميم أو التحسين.

ونختم هذه التفاصيل بـ الواجهة اللازمة لتمام أي بناء، وهي هنا: أن تصبح فيلسوفًا متفلسفًا، فلا فرق مما قيل حتى الآن بين قراءة الفلسفة قراءة صحيحة وصنع الفلسفة أو التفلسف؛ وإذن، المهارات التي يحتاج القارئ تنميتها هي مهارة التفلسف، وفي الختام سوف أوجز مكونات بعض هذه المهارات.

فما معنى أنْ تكون فيلسوفًا متفلسفًا؟

يجب على المرء لكي يصبح فيلسوفًا متفلسفًا أنْ يعالج الفلسفة التي يطالعها لا كنصوص صحيحة وأهل للثقة فيهضمها ويتعلمها، بل كطرف في محادثة يشارك فيها، ويحتاج المرء إلى مقاربة النص مقاربة انتقادية لكن بنّاءة، وهناك الحاجة إلى إقامة توازن بين البحث عمّا قد يكون من أخطاء في الحُجّة، والبحث عن أية حقائق قد تتضمنها أو بصائر على الرغم من ذلك.

على المرء أنْ يحاول أن يرى ما الذي يدفع إلى الحُجّة، وما المقدِّمات غير المذكورة، وإذا كان شيء منها وراءها، وكيف يستطيع أنْ يتقدم بالحُجّة إلى الأمام؛ لأنَّ ما يقرأه أحدهم ليس سوى بداية لبحث، وليس نهاية له.
وقال (إيمانويل كانط-ImmanuelKant): «حتى الآن لا يمكننا أن نتعلم أية فلسفة من الفلسفات؛ إذن أين هي؟ ومن يمتلكها؟ وكيف نتعرف عليها؟ لا يمكننا أن نتعلم سوى التفلسف»[2].

إذًا كان كل هذا يجعل قراءة الفلسفة تبدو مما يتطلب جهدًا كبيرًا، فذلك لأن قراءة الفلسفة، إذا تمت على الوجه الصحيح، تحتاج إذن إلى جهدٍ كبير، وتقتضيك الفلسفة أن تستغل كل مواردك الفكرية؛ لأنَّ الفكر هو المورد الوحيد الذي نملكه لنتفلسف به، ولكن على الرغم مِنْ أنَّ الفلسفة تتطلب جهدًا كبيرًا، يرى الكثيرون أنها مُجزية؛ وذلك حين تجتهد في تحويل كل ما هو غامض إلى الوضوح، وكما قال(لودفيغ فتغانشتاين-LudwigWittgenstein): «أنَّ هدف الفلسفة يكمن في التوضيح المنطقي للأفكار، وهي تعتبر نشاطًايُمارس بالمناقشة، وليست مجرد نظريات مكتوبة، وينبغي للفلسفة جعل الأفكار الغامضة والمبهمة واضحة ومحددة»[3]
إعداد وتصميم: مُحمد فتحي.

المصادر:
– موضوعات مفتاحية، جوليان باجيني، ترجمة (أديب يُوسف شيش).
– نقد العقل المحض، إيمانويل كانط، ترجمة (موسى وهبة).

[1]حلقات المحصول: عبارة عن دوائر مسطحة، وتظهر فجأة في الحقول ويعتقد الناس بأنها من فعل مخلوقات غريبة عن هذا العالم.

[2]Kant I. IMMANUEL KANT Premium Collection: Complete Critiques, Philosophical Works and Essays (Including Kant’s Inaugural Dissertation): Biography, The Critique of Pure Reason, The Critique of Practical Reason, The Critique of Judgment, Philosophy of Law, The Metaphysical Elements of Ethics, Perpetual Peace and more. e-artnow; 2015. 1837 p.http://sc.egyres.com/f6dCe

[3]Page:Wittengenstein – Tractatus Logico-Philosophicus(4.111 and 4.112), 1922.djvu/15 – Wikisource, the free online library [Internet]. [cited 2017 Aug 31].
Available from:http://sc.egyres.com/NhM5v

شارك المقال:

تواصل معنا

«الباحثون المصريون» هي مبادرة علمية تطوعية تم تدشينها في 4/8/2014، بهدف إثراء المحتوى العلمي العربي، وتسهيل نقل المواد والأخبار العلمية للمهتمين بها من المصريين والعرب،

تابعنا على منصات التواصل الإجتماعي